عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي

67

المناظر الإلهية ( ويليه شرح مشكلات الفتوحات المكية لابن عربي )

العيني ، بالنون . فكما أن المعنى الموجود في النفس من الكلمة ، لا يسمى كلمة ، كذلك الأعيان الثابتة ، في العلم الإلهي ، لا تسمى كلمات ، فلهذا سميت حروفا . ولهذا قال سيدي الشيخ محيي الدين بن العربي شعرا : كنا حروفا عاليات لم نقل * متعلقات في ذرى أعلى القلل أنا أنت فيه ونحن أنت وأنت هو * والكل في هو هو فسل عمن وصل وكما أن المتكلم بالكلمة ، لا بد أن تكون عين تلك الكلمة - قبل ذلك - موجودة في علمه ، كذلك الحق تعالى يعلم المخلوقات قبل إيجادها في العالم الكوني . وكما أن المتكلم ، لا بد له من حركة إرادية في تخصيص الكلمة بالظهور على نسق معين - كذلك الحق ، سبحانه وتعالى ، لا بد للموجود من إرادة إيجاد الحق له . وكما أن الكلمة لا بد لها من نفس خارج بها من الصدر إلى محل تكوين الحروف - كذلك صفة القدرة ، لا بد من تعلقها بالمخلوق ليوجد في العالم . وكما أن الكلمة ، لا بد من التلفظ بها بالفهوانية - كذلك كلمة الحضرة ، لا بد من توجهها إلى ما يريد اللّه تعالى إيجاده . وذلك لقوله تعالى : إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ( 40 ) [ النّحل : 40 ] . فلا بد للمخلوق : من تعلق الإرادة ، والقدرة ، وكلمة الحضرة - بإيجاده ، فحينئذ يوجد . وقد بسطنا القول في التجليات الكلامية ، في كتابنا الموسوم ب ( الإنسان الكامل ) ، وتحدثنا عليها بعبارة أخرى ، من غير تلك الجهة ، في الكتاب الموسوم ب ( قطب العجائب ، وفلك الغرائب ) . ومن تجلى اللّه عليه في هذا المنظر : علم حقيقة قول القائل : الكلام صفة المتكلم ، وشاهد كشفا وعيانا : صورة الموجود بما هي عليه . وحقق وجودا ويقينا . أن روحها القائم بها هو اللّه تعالى . صاحب هذا المنظر : يكون عنده علوم تنوعات التجلي ، والتحول في الصدر . فلا ينكره إذا تحول في صورة التنكر يوم القيامة ، كما ينكره من لا يعرفه ، بهذه المعرفة ، عند تحوله في غير صورة المعتقد . آفة هذا المنظر : احتجابه بمعارفه عن ذاته ، وشغله بتجلياته عن الاتصاف بصفاته . * * *